الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
98
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الزرافة : إنها من الأفراس أو من الإبل أو من البقر . وفرع ضلالهم على ضرب أمثالهم لأن ما ضربوه من الأمثال كله باطل وضلال وقوة في الكفر . فالمراد تفريع ضلالهم الخاص ببطلان تلك الأمثال ، أي فظهر ضلالهم في ذلك كقوله : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا [ القمر : 9 ] . ويجوز أن يراد بالضلال هنا أصل معناه ، وهو الحيرة في الطريق وعدم الاهتداء ، أي ضربوا لك أشباها كثيرة لأنهم تحيروا فيما يعتذرون به عن شأنك العظيم . وتفريع فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا على فَضَلُّوا تفريع لتوغلهم في الحيرة على ضلالهم في ضرب تلك الأمثال . والسبيل : الطريق ، واستطاعته استطاعة الظفر به ، فيجوز أن يراد بالسبيل سبيل الهدى على الوجه الأول في تفسير الضلال ، ويجوز أن يكون تمثيلا لحال ضلالهم بحال الذي وقف في فيفاء لا يدري من أية جهة يسلك إلى المقصود ، على الوجه الثاني في تفسير الضلال . والمعنى على هذا : أنهم تحيروا كيف يصفون حالك للناس لتوقعهم أن الناس يكذبونهم ، فلذلك جعلوا ينتقلون في وصفه من صفة إلى صفة لاستشعارهم أن ما يصفونه به باطل لا يطابقه الواقع . [ 49 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 49 ] وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 49 ) يجوز أن يكون جملة وَقالُوا معطوفة على جملة قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كما تقولون [ الإسراء : 42 ] باعتبار ما تشتمل عليه من قوله : كما تقولون لقصد استئصال ضلالة أخرى من ضلالاتهم بالحجّة الدامغة ، بعد استئصال الّتي قبلها بالحجة القاطعة بقوله قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كما تقولون الآية وما بينهما بمنزلة الاعتراض . ويجوز أن تكون عطفا على جملة إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [ الإسراء : 47 ] التي مضمونها مظروف للنجوى ، فيكون هذا القول مما تناجوا به بينهم ، ثم يجهرون بإعلانه ويعدونه حجتهم على التكذيب . والاستفهام إنكاري . وتقديم الظرف من قوله : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً للاهتمام به لأن مضمونه هو دليل